مقالات

“حيرة” عراقية مع “ولاية الفقيه”.. وتوريث المرجعية!

د. مهدي عقيل

أقوى الأسلحة الإيرانية في ضبط الداخل والتوسع في الخارج هي الثورة، والناظم لهذه الثورة هو “الولي الفقيه”. فماذا تعني إحالة المرجع الشيعي العراقي كاظم الحائري مقلديه إلى اتباع “الولي الفقيه” السيد علي خامنئي؟ وما تأثير ذلك على الشارع العراقي؟

ثمة فارق جوهري بين مرجعية التقليد القائمة منذ ما يزيد عن الألف سنة، وبين نظرية “ولاية الفقيه” (نقصد المطلقة أو العامة طبعاً) التي أتمت الأربعين ربيعاً على مباشرة تطبيقها للمرة الأولى في التاريخ في إيراني.

كانت المرجعية الشيعية على مدى عقود طويلة تختص بالشؤون الدينية وتعتمد نظرية التقية والانتظار إلى أن شهد النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي نقلة نوعية في الفكر المرجعي الشيعي تجلّت بتجاوز نظرية الانتظار ونظرية نيابة الحاكم المعروفة بالنيابة العامة التي منحها المحقق علي الكركي للشاه طهماسب بن إسماعيل. وفتحت “ولاية الفقيه” الباب واسعاً أمام مجتهدي الطائفة الشيعية للخوض بغمار السياسة على مختلف المستويات.

وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين شهدت ادواراً سياسية هامة ومؤثرة قام بها علماء الشيعة، بدأت بثورة التنباك في إيران، ولم تنته بالثورة الدستورية أو المشروطة عام 1905 في إيران أيضاً، حيث كان لعلماء الشيعة دوراً رئيسياً فيها، لا سيما السيد محمد الطباطبائي والسيد عبد الله البهبهاني، والتي أدت إلى تقليص صلاحيات الشاه. لكن برغم ذلك ظلّت نظرية ولاية الفقيه حبيسة النقاش الفكري طيلة سنوات طويلة ولاقت معارضة كبيرة حتى يومنا هذا من عدد يسير من مراجع الشيعة، ولم ترَ تطبيقاً واقعياً إلا مع آية الله الخميني الذي تبنّاها وطبّقها إثر انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

هذا الشرح هدفه التدليل على أن خطوة المرجع كاظم الحائري ليست عبارة عن تجيير مقلديه إلى مُقلد آخر وحسب، وهذا حصل أكثر من مرة مع كثير من المراجع عندما كانوا يُوصون مقلديهم باتباع هذا المرجع او ذاك بعد رحيلهم، حتى أن آية الله السيد محمد صادق الصدر (والد السيد مقتدى الصدر) أوصى مُقلديه باتباع المرجع الحائري بعد وفاته. لكن ثمة مفارقات ميّزت خطوة الحائري، أبرزها إثنتان؛

الأولى؛ تتلخص بإعلان الحائري عن عدم الاستمرار في التصدي للمرجعية بداعي تداعي صحته وقواه البدنية وبسبب تقدمه في العمر، مع العلم أن مراجع الشيعة غالباً ما يستمرون بنشاطهم المرجعي حتى مماتهم، ويحافظون على حضورهم الذهني مهما بلغ بهم العمر، والحائري يعتبر صغيراً (مواليد 1938) قياساً بغيره من المراجع الذين تجاوز بعضهم التسعين واستمروا بممارسة دور المرجعية. فالسيد علي السيستاني مثلاً يكبره بثمانية أعوام (مواليد 1930) وما زال يتربع على رأس المرجعية الشيعية في العراق. وهذا ما طرح علامة استفهام حول تنحي الحائري عن مسؤولية المرجعية، وعمّا إذا كانت خطوته هذه قام بها من تلقاء نفسه أو بإيعاز إيراني ما، وهذا ما ألمح إليه زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر في بيان اعتزاله العمل السياسي في 29 آب/أغسطس الماضي بقوله “وعلى الرغم من تصوري أن اعتزال المرجع (الحائري) لم يك من محض إرادته”.

الثانية؛ وهي بيت القصيد، ومدعاة كتابة هذه المقالة، أن دعوة الحائري لمُقلديه اتباع السيد علي خامنئي دون غيره ميّزته عن مراجع سبقوه، بوصفها دعوة لا يُنظر إليها بأن على مُقلدي الحائري اتباع السيد خامنئي في أمور العبادات وخلافها، إنما يُنظر إليها كدعوة للالتزام بـ”ولاية الفقيه المطلقة” التي لا تتماشى والمرجعية العراقية في النجف التي اتخذت من أسلوب النأي بالمرجعية عن السياسة، وتكريس حالة الديمومة بالعلم والبحث المعرفي واعتماد التبليغ نمطاً لإدارة التواصل مع شيعة العالم، معتمدين، بحسبهم، على منهج الإمام جعفر الصادق (الحفيد الرابع للإمام علي بن أبي طالب). فيما “ولاية الفقيه المطلقة” تعني أن يتولى “ولي الفقيه” شؤون عامة الناس في عامة أمورهم سواء الفقهية منها أو الدنيوية والحياتية، لتكتسب بذلك طابعاً سياسياً بامتياز، ولا تعير اهتماماً لحدود الجغرافية بين الدول، القريبة منها أو البعيدة.

ويرى الأستاذ الجامعي اللبناني الشيخ صادق النابلسي “أن ربط الحائري مقلديه بالخامنئي هدفه تلاقي المرجعيات الدينية المؤثرة على هدف واحد، وهو حماية العراق وطرد الاحتلال الأميركي منه”. وعليه، سوف يتولد تأثير كبير لخطوة الحائري على التيار الصدري المُوصى بتقليده من مؤسسه آية الله الصدر، وبات المنضوون في هذا التيار والمقلدون للحائري في حيرة من أمرهم، وهم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما اتباع ما تملي عليهم قواعد التقليد ذات البعد الديني والأخروي والعلاقة مع الله، او اتباع ميولهم السياسية والاقتداء بزعيمهم السيد مقتدى الصدر.

وبحسبة بسيطة، إذا ما التزم الصدريون بدعوة الحائري، أي بتقليد الولي الفقيه في إيران، وهم واحد من أصل ثلاثة لاعبين أساسيين في السياسة الشيعية في العراق، وإذا ما إنضم إليهم أيضاً اللاعب الثاني؛ أي المحور الموالي لإيران الذي يضمّ عدداً من الأحزاب والمجموعات المنضوية بمعظمها تحت عباءة “قوة القدس” في الحرس الثوري الإيراني، ينحصر السؤال باللاعب الثالث السيد السيستاني وهو حتى الآن خارج “سيطرة” ولي الفقيه. حتى أنه ثمة من يضع السيستاني في خانة ليست ببعيدة عن نظرية ولاية الفقيه، إذ يقول الباحث العراقي الدكتور علي المؤمن أن “السيد السيستاني يستعيض عن ولاية الحكم بخيار توسيع دائرة ولاية الحسبة؛ لتكون بديلاً يستوعب جميع الشؤون العامة التي لا يجوز تركها. أي أنّ السيستاني أحد أكثر الفقهاء الذين يوسعون مصاديق الحسبة ويوسعون صلاحيات الفقيه بصددها؛ بما يساوق ولاية فقيه شبه عامة، كما تدلّ أبحاثه. وأعتقد أنّه من الطبيعي عدم إفصاح المعتقدين بولاية الفقيه على الحكم عن آرائهم في زمن النظام السابق. حتى إنّهم في معرض مناقشتهم لآراء الإمام الخميني الفقهية أو تأييدها لا يذكرون اسمه. مثلاً: السيد السيستاني كان في دروسه يشير إلى الإمام الخميني بصفة (أحد الأكابر)”.

ولا شك أن حال المرجعية في العراق بعد عام 2003، تاريخ الإحتلال الأميركي للعراق، ليس كما قبله، حيث تقلّد المرجع، وتحديداً السيد السيستاني، دوراً رئيساً ومؤثراً في العملية السياسية، ولعبت فتاويه وبياناته أدواراً مهمة في دعم أو إضفاء الشرعية على مسارات عمل محدّدة، سواء تمثّل ذلك في دعوته لإجراء انتخابات مبكرة في العام 2003 بعد الاحتلال الأميركي، أو في النصيحة التي قدّمها لحزب الدعوة عام 2014 لاختيار رئيس وزراء جديد، أو في الفتوى التي دعا فيها العراقيين إلى الانضمام إلى الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش). إذ بات اللجوء إلى السيستاني في أوقات الشدّة أمراً شائعاً، انطلاقاً من الاعتبار أن كلامه مسموع ومحط تقدير كبير ويحظى بطاعة معظم الشيعة العراقيين، حتى أن العنصر الحاسم في سحب الجمهور الصدري من الشارع قبل أسبوع هو تدخل المرجعية ممثلة بالسيد محمد رضا السيستاني (نجل آية الله السيستاني) لدى مقتدى الصدر، فكان هذا الخروج المفاجىء والسريع من الشارع ومن المقرات الرسمية العراقية.

ويدخل هنا رجل الدين اللبناني المفتي الشيخ أحمد طالب بمقارنة بين ولاية الفقيه في إيران والمرجعية في العراق من زاوية ممارسة السلطة، ويقول إن للولي الفقيه في إيران الأمر والنهي والسلطة بحكم القانون والشرع، “أما في العراق، فإن المرجعية لا تعطي لنفسها السلطة القانونية وإنما تعطي لنفسها حق الإرشاد والتوجيه في الأمور السياسية والاجتماعية، ولها المكانة المعنوية والروحية، لذلك تحاول ان لا تنزلق بالتفاصيل وتعمل على توجيه المسؤولين والناس بحكمة ومسؤولية”. ويضيف طالب أنه “لا يجب الرجوع إلى المرجع في الأمور السياسية أو الاجتماعية أو تشخيص الموضوعات الخارجية”، ويرى في المقابل أنه “يحق للمكلف الأخذ بتشخيص المرجع من باب الوثوق به والوثوق بخبرته، وأيضاً من باب رمي المسؤولية على الغير وليس من باب الوجوب والالزام”.

وبصرف النظر عن هذا الرأي أو ذاك، دفعت التطورات التي شهدها العراق، بشكل متسارع ودراماتيكي مؤخراً، نحو توسيع دور المرجعية في العراق وحمّلتها مسؤوليات جمة لم تكن معنيّة بها من قبل، وبات الجمهور الشيعي يجاهر في مطالبته المرجعية بالتدخل بمختلف القضايا السياسية، خصوصاً بعد فشل القوى السياسية في إدارة السلطة المناطة بها، ووقوف البلاد مؤخراً على حافة حرب أهلية بين أبناء البيت الشيعي الواحد. وبالتالي أمست فكرة إنغماس المرجعية الشيعية في السياسة أمراً مطلوباً لدى شيعة العراق، ولا ضير لدى الكثيرين منهم بأن تتماثل مرجعيتهم، بشكل او بآخر، مع ما هو معمول به في إيران، لا سيما في ظل اتساع دائرة مقلدي “ولي الفقيه” في العراق سواء قبل بيان اعتزال كاظم الحائري أو بعده.

باختصار، ما لم تقوَ إيران على تحقيقه بالسياسة والأمن والاقتصاد في العراق قد يتسنى لها تحقيقه من طريق مُقلدي ولاية الفقيه في بلاد الرافدين، بكل ما تحمل من معاني ومضامين سياسية بالغة الأهمية والدلالات.

ان ماينشره موقع قلم حر هو على مسؤولية كاتبه فقط، ولايتبنى الموقع مضمون ماينشر جملة وتفصيلا لا من قريب ولا من بعيد. لمن يعتبر ان اي مقال طاله بأخبار غير صحيحة له حق الرد على الموقع نفسه الذي يلتزم نشره بحرفيته وبكل أمانة. اقتضى التوضيح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى